ابن عجيبة
154
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وأكثر ما تجد هذا الوصف في بعض الفقهاء المتجمدين على ظاهر الشريعة ، يعتقد ألا علم فوق علمه ، ولا فهم فوق فهمه ، كيف ؟ والله تعالى يقول : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ، وقد قال إمام الحرمين : ( لأن أدخل ألف كافر في الإسلام بشبهة خير من إخراج واحد منه بشبهة ) . فالواجب على من أراد السلامة أن يحسن الظن بجميع المسلمين ، ويعتقد فيهم أنهم كلهم صالحون ، ففي الحديث : « خصلتان ليس فوقهما شئ من الخير : حسن الظن باللّه ، وحسن الظن بعباد الله ، وخصلتان ليس فوقهما شئ من الشرّ : سوء الظنّ باللّه ، وسوء الظنّ بعباد اللّه » . وبالله التوفيق . ثم وبخ الحق - تعالى - النصارى على منع الناس من بيت المقدس وإيذاء من يصلى فيه ، وطرح الأقذار فيه ، مع زعمهم أنهم على الحق دون غيرهم ، قاله ابن عباس ، أو كفار قريش حيث منعوا المسلمين من الصلاة فيه ، وصدوا رسول الله عن الوصول إليه ، قاله ابن زيد ، والتحقيق : أن الحق تعالى وبخ الجميع ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 114 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 114 ) قلت : مَنْ مبتدأ ، و أَظْلَمُ خبر ، و أَنْ يُذْكَرَ إما منصوب على إسقاط الخافض وتسلط الفعل عليه ، أي : من أن يذكر ، أو بدل اشتمال من مَساجِدَ ، أو مجرور بالحرف المحذوف ، قاله سيبويه . و خائِفِينَ حال من الواو . يقول الحق جل جلاله : لا أحد أكثر جرما ولا أعظم ظلما مِمَّنْ يمنع مَساجِدَ اللَّهِ من أَنْ يُذْكَرَ اسم الله فيها ، جماعة أو فرادى ، في صلاة أو غيرها ، وَسَعى فِي خَرابِها حيث عطل عمارتها ، أُولئِكَ ما كانَ ينبغي لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إلا بخشية وخشوع ، فكيف يجترءون على تخريبها ؟ أو ما كان الواجب أن يدخلوها إلا خائفين من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا عن أن يمنعوهم منها ، أو ما كانَ لَهُمْ في علم الله وقضائه أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ ، فيكون وعدا أنجزه الله لهم ، وقد فتح الله لهم مكة والشام ، فكان لا يدخل بيت الله الحرام كافر إلا خفية ، خائفا من القتل ، ولا يدخل نصراني بيت المقدس إلا خائفا من المسلمين ، فنالهم فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وهو قتل الحربي ، وضرب الجزية على الذمي ، وخزى المشركين قتلهم يوم الفتح ، وإذلالهم بدخولها عليهم عنوة ، ولمن مات على الكفر فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ . وهذه الآية - وإن نزلت في الكفار - فهي عامة لكل من يمنع الناس من الذكر في المساجد ، كيفما كان قياما أو قعودا ، جماعة أو فرادى . والله تعالى أعلم .